محمد بن جرير الطبري

271

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قال : حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الربع ، يعني الإبل الصغار ، فقال له الفتى : أليس ملككم فلانا ؟ قال : بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك ، فسأله ، فأخبره الفتى خبر أصحابه ، فبعث الملك في الناس ، فجمعهم ، فقال : إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد ، وإن الله قد بعث لكم آية ، فهذا رجل من قوم فلان ، يعني ملكهم الذي مضى ، فقال الفتى : انطلقوا بي إلى أصحابي فركب الملك ، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي ، فلما أبصرهم ضرب على أذنه وعلى آذانهم فلما استبطؤوه دخل الملك ، ودخل الناس معه ، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا ، غير أنها لا أرواح فيها ، فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم . قال قتادة : وعن ابن عباس ، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة ، فمروا بالكهف ، فإذا فيه عظام ، فقال رجل : هذه عظام أصحاب الكهف ، فقال ابن عباس : لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة . 17307 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف ، قال : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وستين سنة ، فتحزب الناس في ملكه ، فكانوا أحزابا ، فمنهم من يؤمن بالله ، ويعلم أن الساعة حق ، ومنهم من يكذب ، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس ، وبكى إلى الله وتضرع إليه ، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون : لا حياة إلا الحياة الدنيا ، وإنما تبعث النفوس ، ولا تبعث الأجساد ، ونسوا ما في الكتاب فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظن فيه خيرا ، وأنهم أئمة في الحق ، فجعلوا يكذبون بالساعة ، حتى كادوا أن يحولوا الناس عن الحق وملة الحواريين فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس ، دخل بيته فأغلقه عليه ، ولبس مسحا وجعل تحته رمادا ، ثم جلس عليه ، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله ، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد ، أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ، ويبين للناس شأنهم ، ويجعلهم آية لهم ، وحجة عليهم ، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس ، ويتم نعمته عليه ، فلا ينزع منه ملكه ، ولا الايمان الذي أعطاه ، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا ، وأن يجمع من كان تبدد من المؤمنين ، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف ، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل ، وكان اسم ذلك الرجل أولياس ، أن يهدم البنيان